Harith Raheem Atiyah Yas (1)
General Background: Fiscal discipline constitutes a fundamental pillar of macroeconomic stability, ensuring balance between public revenues and expenditures while safeguarding fiscal sustainability. Specific Background: During 2014–2024, Iraq’s public finances were shaped by excessive reliance on oil revenues, security shocks, oil price volatility, and expansionary expenditure patterns. Knowledge Gap: Despite Iraq’s substantial oil wealth, limited empirical synthesis has examined the structural gap between fiscal potential and actual fiscal performance using integrated indicators of budget deficit, public debt, expenditure ratios, and tax revenues. Aims: This study analyzes the reality of fiscal discipline in Iraq over the period 2014–2024 and evaluates its role in explaining persistent budget deficits, rising public debt, and weak revenue diversification. Results: The findings confirm a structural imbalance characterized by recurrent deficits exceeding international benchmarks in several years, public debt ratios reaching critical levels, government expenditure consistently surpassing the 30% safety threshold of GDP, dominance of current over investment spending, and marginal tax contributions rarely exceeding 2% of GDP. Fiscal performance remained highly procyclical, expanding during oil booms and deteriorating during shocks, thereby reinforcing financial fragility. Novelty: The study provides a comprehensive indicator-based assessment linking fiscal rules, expenditure structure, debt dynamics, and revenue composition within a unified analytical framework for Iraq. Implications: Achieving fiscal sustainability requires expenditure rationalization, strengthening non-oil revenues, institutionalizing fiscal rules, and adopting structural reforms to reduce oil dependency and restore long-term macroeconomic stability.
Highlights:
Keywords: Fiscal Discipline; Budget Deficit; Public Debt; Oil Revenue Dependency; Fiscal Sustainability
المقدمة
يُعد الانضباط المالي الركيزة البنيوية التي تستند إليها استقرار الاقتصادات الوطنية لأيجاد توازن دقيق بين الإيرادات والنفقات العامة ، بما يضمن تجنب العجز المزمن والحد من تراكم الديون ، وفي ظل الأزمات الاقتصادية العالمية، أصبح الالتزام بقواعد الانضباط المالي ضرورة حتمية لإدارة الموارد المالية بكفاءة، خاصة في الدول التي تعاني من اختلالات هيكلية عميقة في موازناتها العامة.
يواجه العراق واقعاً مالياً معقداً يتسم بالتبعية المطلقة للإيرادات النفطية المتقلبة، مما جعل سياسته المالية رهينةً لأسعار السوق العالمية، إن هذا ما شهدته المدة (2014-2024) ، اذ أدت الصدمات السعرية والضغوطات الأمنية والسياسية إلى توسع مفرط في الإنفاق الاستهلاكي على حساب الإنفاق الاستثماري مما عمّق من ظواهر الهدر والفساد المالي وأضعف من كفاءة المؤسسات المالية في ضبط المال العام.
ومن اجل التحول نحو بيئة مالية منضبطة تعتمد على قواعد قانونية وإجرائية صارمة تُقلص العجز، وتكبح جماح الدين العام وتُفعل دور الإيرادات غير النفطية ، يستلزم الانتقال من الإدارة العشوائية للموارد إلى الإدارة القائمة على البرامج والنتائج، لضمان استقرار الاقتصاد الكلي أمام التقلبات الخارجية والداخلية .
اولاً : اهمية البحث
تبرز اهمية البحث في الكشف عن كيفية تحويل الاقتصاد العراقي من الريعية الهشة إلى نموذج اقتصاد مستدام عبر الانضباط المالي وارسال تحذيرات تنبؤية للحكومات عن خطر الانهيار المالي وما يترتب عليه من غياب الاستدامة والادارة غير الكفوءة للمال العام ، لذا هناك اهمية كبيرة للالتزام بتطبيق قواعد الانضباط المالي في الاقتصادات الريعية التي تعتمد على الايرادات النفطية بشكل رئيس في تمويل موازنتها العامة ، إذ ان الانضباط المالي يعكس قدرة الحكومة على تنفيذ سياساتها المالية بشكل متسق وهو ما يساهم في تقليل الأثر السلبي للتقلبات الإقتصادية .
ثانياً : مشكلة البحث
تتمثل مشكلة البحث في الفجوة الواسعة بين الإمكانات المالية الضخمة للعراق وبين مؤشرات الأداء المالي الفعلية اذ يعاني في الواقع من عجز بنيوي متكرر وارتفاع في نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي رغم كونه سادساً على مستوى العالم في الاحتياطيات النفطية ، ومن هنا يبرز التساؤل الرئيس: (( كيف يمكن ردم الفجوة بين واقع التخبط المالي وطموح الانضباط المالي في العراق في ظل تشوهات هيكلية تُعزز الهدر وتقوض كفاءة الإنفاق العام للمدة (2014-2024)؟))
ثالثاً : هدف البحث
يهدف البحث الى معرفة ما هو مستوى تحقق الضبط المالي في العراق وما هي اهميته الاقتصادية ، والوقوف على اهم العوامل التي تساعد على تحقيقه ،توضيح اهم الانعكاسات السلبية لضعف الانضباط المالي على عمل المالية العامة.
رابعاً : فرضية البحث
وينطلق البحث من فرضية مفادها أن ضعف الانضباط المالي يُعد سببًا رئيسًا للعجز البنيوي وتراجع الاستدامة المالية، نتيجة التوسع في الإنفاق الجاري وضعف تنويع مصادر الإيرادات العامة.
خامساً : منهجية البحث
للتوصل الى مشكلة الدراسة وتحليلها ووضع الحلول المناسبة لها سيتم الاستعانة بالمنهج (الوصفي التحليلي) وبإستخدام مختلف المعلومات والبيانات للتوصل الى نتائج الدراسة.
المبحث الاول : الاطار النظري للانضباط المالي
اولاً : تعريف الانضباط المالي
يعرَّف الانضباط المالي بأنه إطار متكامل من السياسات والإجراءات الوقائية والتصحيحية التي تعتمدها السلطات المالية بهدف الحد من الاختلالات المالية التي قد تؤدي إلى أزمات مالية كلية أو تنجم عنها. ويقوم هذا الإطار على الاستباق في تشخيص مصادر الخلل المالي قبل تفاقمها، وفرض التزامات مؤسسية وقانونية على الجهات المعنية لاتخاذ التدابير الكفيلة بتقليص مخاطر التعثر أو الفشل المالي، لما لذلك من دور حاسم في الحفاظ على استدامة المالية العامة ومنع تآكل الثقة بقدرة الدولة على إدارة مواردها والتزاماتها المالية بكفاءة.
ويعرف بانه مجموعة من السياسات المالية المستخدمة بهدف ضبط أوضاع المالية العامة واحكام رقابتها علي موارد الدولة المالية والمحافظة عليها وترشيد استخدامها بكفاءة عالية بما يحقق الاستخدام الامثل للموارد المالية للدولة، و خفض الديون و تقليص عجز الموازنة العامة ، و بالتالي تعزيز المركز والقوة المالية للدولة و تحسين اداء المتغيرات الاقتصادية الكلية ومن ثم تحقيق الاستقرار والنمو في النشاط الاقتصادي ككل"، ويعبر الانضباط المالي عن كبح الاسراف والتبذير في المال العام ولفترة دائمية، لذا فإن مفهوم الضبط المالي لايشير بالضرورة الى التقشف المالي بقدر ما هو يعمل على ضبط معدلات الانفاق في ضمن حدود معينة تتلائم مع مستوى النشاط الاقتصادي و قدرة الدولة على تحمل الدين العام.
ثانياً : الاهمية الاقتصادية للضبط المالي
يمثل الانضباط المالي أداة محورية في إدارة الدين العام، إذ يسهم في كبح نموه من خلال تقليص عجز الموازنة العامة، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتجنّب اللجوء إلى الاقتراض غير المنتج، بما يضمن الإبقاء على نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ضمن حدود آمنة وقابلة للاستدامة ، وقد تبنت العديد من الدول أطرًا كمية ومعايير مرجعية لضبط عجز الموازنة ومستويات الدين العام، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي الذي ألزم الدول الأعضاء بالحفاظ على عجز الموازنة دون 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى نسبة الدين العام دون 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لمعايير معاهدة ماستريخت لعام 1992، بهدف تعزيز الاستقرار المالي والحد من المخاطر
يمثل الضبط المالي حجر الزاوية في بناء ونمو صناديق الثروة السيادية ، من خلال تطبيق عادات الإنفاق المنضبطة ووتوجيه فائض الاموال الى تلك الصناديق التي يمكن استخدامها كإحتياطي مالي في مواجة الصدمات الاقتصادية و التقلبات الدورية أو غير المتوقعة في النفقات والايرادات العامة وتخفيف آثارها لحماية هيكل الموازنة من الانحرافات وتعزيز الاستقرار والسلامة المالية وتقليل الحاجة إلى الاعتماد على الاقتراض خلال تلك الأوقات.
يؤدي الانضباط المالي دوراً أساسياً في تعزيز كفاءة التخصيص من خلال تحسين آليات تخصيص الموارد العامة وتوجيهها نحو الاستخدامات الأكثر إنتاجية ، ويشمل ذلك مكافحة الهدر المالي، ورفع كفاءة الإنفاق العام دون المساس بجودة الخدمات العامة، فضلاً عن إعادة توجيه النفقات الحكومية نحو القطاعات ذات الأثر المضاعف الأعلى على النمو الاقتصادي ، من اجل تحسين نوعية الإنفاق وتعظيم مردوده الاقتصادي والاجتماعي.
4 - تعزيز الاستقرار المالي والاستدامة
يسهم الانضباط المالي على تعزيز العدالة والاستدامة لتحقيق الاستقرار المالي من خلال إدارة الموارد المالية للدولة بشكل جيد وتجنب الاقتراض المفرط الذي قد يؤدي إلى عدم الاستقرار المالي و من ثم الأزمات الاقتصادية ، و تبني سياسات مالية متحفظة تعمل على ضبط الإنفاق الجاري، وتنويع مصادر الإيرادات العامة ، وتعزيز السيطرة على الموازنة العامة، بما يدعم النمو الاقتصادي المستدام ويعزز الاستقرار المالي طويل الأجل.
ثالثاَ:- قواعد المالية العامة ودورها في تحقيق الضبط المالي
تهدف هذه القاعدة الى وضع حد آمن لإجمالي الدين العام الى الناتج المحلي الاجمالي من خلال تحديد نسبة معينة للدين الى الناتج واعتبار ان تجاوز الدين العام للنسبة المحدده يمثل ضعف او عدم فعالية سياسات الضبط المالي المطبقة، فعندما تكون لدى الحكومة رغبة جادة في السيطرة على الديون سواء كان منها الديون الداخلية او الخارجية فإنها تقوم باتخاذ مجموعة من الاجراءات التقييدية التي تكون متوافقة مع ضبط الوضع المالي والتي تعمل على تخفيض نسبة الدين الى الناتج المحلي الاجمالي رغبة منها في الحفاظ على وضع اقتصادي مستقر وضبط مالي مستدام والسيطرة على الديون وهو ما يؤثر ايجاباً على تحقيق الضبط المالي، بالمقابل الافراط في طلب الديون يحمل الموازنة العامة نفقات اضافية تتمثل بخدمة الدين العام الجديد و هو ما يعمق عجز الموازنة ويضعف فاعلية الضبط المالي.
تؤثر قاعدة ضبط الإنفاق في تعزيز الانضباط المالي من خلال فرض قيود كمية ومؤسسية على نمو الإنفاق العام، بحيث يرتبط بمؤشرات اقتصادية كلية مثل معدل النمو الاقتصادي أو متوسط الإيرادات المستدامة ، لا بالظروف الظرفية المؤقتة ، ويسهم ذلك في الحد من التوسع غير المبرر في الإنفاق خلال فترات الرواج، ويقلل من التقلبات المالية الملازمة للدورات الاقتصادية ، كما تساعد القاعدة على تحسين القدرة على التنبؤ بالموازنة العامة، وتعزيز مصداقية السياسة المالية، والحد من العجز والدين العام، بما يدعم الاستدامة المالية على المدى المتوسط والطويل تعمل على وضع حد للانفاق الكلي او الجاري في اوقات الازدهار مع عدم تقيد الوظيفة الاستقرارية للسياسة المالية اوقات حدوث الصدمات السلبية .
هذه القاعدة تضع قيودا عليا ودنيا على الإيرادات من أجل زيادة الإيرادات ومنع العبء الضريبي المفرط و تحسين تحصيل الايرادات العامة كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي بما يعزز الانضباط المالي وتحقيق السلامة المالية ، إذ تعمل هذه القاعدة على ربط الإنفاق العام بالإيرادات المستدامة، مما يقلل من مخاطر العجز غير المخطط له ويحدّ من التقلبات المالية الناتجة عن صدمات الإيرادات ، كما تعزز القاعدة دقة التنبؤ المالي وشفافية الموازنة، وتدعم استقرار الموارد العامة، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على استدامة المالية العامة والسيطرة على الدين العام على المديين المتوسط والطويل .
تعمل هذه القاعدة على تحقيق الانضباط المالي من خلال تحقيق توازن حسابي بين طرفي الموازنة من خلال تخفيض الانفاق الحكومي بما يتناسب مع الايرادات الفعلية وبالتالي تخفيض حجم العجز في الموازنة الحكومية تدريجيا الى ان يتم الوصول الى موازنة متوازنة.
تؤثر القاعدة الذهبية للسياسة المالية في تعزيز الانضباط المالي من خلال قصر الاقتراض الحكومي على تمويل الإنفاق الاستثماري دون الإنفاق الجاري، بما يضمن توجيه الدين العام نحو مشروعات منتجة تولّد عوائد اقتصادية مستقبلية ، ويسهم ذلك في الحد من التوسع غير المستدام في الإنفاق الجاري، وتقليص العجز الهيكلي في الموازنة العامة، وتعزيز العدالة المالية بين الأجيال ، كما تزيد القاعدة الذهبية من كفاءة تخصيص الموارد العامة وتحسّن مصداقية السياسة المالية، بما يدعم استدامة الدين العام والانضباط المالي على المدى الطويل ،وهذا ما يدعم تطور البنى التحتية وخلق بيئة مناسبة للاستثمار ما يعزز النمو الاقتصادي من خلال تشجيع الاستثمار ، بينما تمول النفقات الجارية من الايرادات الجارية وهو ما يعزز سياسة الانضباط المالي.
رابعاً : مؤشرات قياس الانضباط المالي
حسب هذا المؤشر يتم تحديد نسبة عجز الموازنة للناتج ويدل ارتفاع نسبة العجز للناتج فوق النسبة المحددة الى ان الانفاق الحكومي غير رشيد ولا يتناسب مع محدوية الايرادات العامة او الى تجاوز الحكومة لببنود الصرف في الموازنة وهو ما يدل الى عدم تحقق الضبط المالي، وقد حددت معاهدت ماستر يخت ان لاتتجاوز نسبة العجز 3 % من الناتج المحلي الاجمالي دليل على تحقق الضبط المالي في دول الاتحاد الاوربي.
تُعرَّف إنتاجية الإنفاق العام بأنها العلاقة بين التغير في الناتج المحلي الإجمالي والتغير في الإنفاق العام، وتُقاس وفق المعادلة الآتية:
إنتاجية الإنفاق العام = التغير في الناتج المحلي الإجمالي ÷ التغير في الإنفاق العام
ويعكس هذا المؤشر مدى مساهمة الإنفاق العام في تحقيق النمو الاقتصادي ، فإذا أدى التوسع في الإنفاق العام إلى زيادة موجبة في الناتج، عُدّ الإنفاق منتجاً ، أما في حال عدم استجابة الناتج للتغير في الإنفاق، فإن الإنتاجية تكون صفراً، وهو ما يشير إلى ضعف كفاءة الإنفاق وفي حال اقتران زيادة الإنفاق بتراجع الناتج، فإن الإنتاجية تكون سالبة، بما يعكس سوء توجيه الموارد العامة وغياب الانضباط المالي وعليه فإن تحقيق إنتاجية موجبة ومستدامة للإنفاق العام يُعد مؤشراً جوهرياً على كفاءة السياسة المالية وانضباطها .
كذلك اذا تجاوز الحد المقرر يدل على عدم تحقق الانضباط المالي ،وتشير بعض الدراسات الى إن الحجم الامثل للانفاق الحكومي يكون بحدود (25- 35) % من الناتج المحلي الاجمالي في اغلب الدول المتقدمة، اما في الدول النامية التي يكون للدولة دور كبير فيها فيكون الحجم الامثل للانفاق الحكومي بحوالي (30-35)% من الناتج المحلي الاجمالي ، كون اقتصادات الدول النامية تعاني من ارتفاع معدلات البطالة والفقر ونقص في الخدمات بالاضافة الى ارتفاع حجم القطاع الحكومي فيها.
يتم قياس الانضباط المالي من خلال الإيرادات العامة بتحديد الحد الأعلى والحد الأدنى للايرادات العامة، اذ يجب ان لا تقل الإيرادات العامة عن الحد الذي تستطيع من خلاله الحكومة من القيام بواجباتها الانفاقية، كذلك ان لا تزيد الايرادات عن الحد المسموح به لمراعاة العبء الضريبي للاقتصاد ، اذ يعكس قدرة الدولة على توليد موارد مالية مستقرة ومستدامة لتمويل الإنفاق العام ، ويقاس غالباً بنسبة الإيرادات العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث تشير النسب المرتفعة والمستقرة إلى كفاءة النظام المالي والضريبي وانخفاض الاعتماد على الاقتراض ، كما يسهم تنويع مصادر الإيرادات في تقليل التقلبات المالية وتعزيز استدامة الموازنة العامة ، ويعكس ضعف هذا المؤشر هشاشة المالية العامة ووجود اختلالات في هيكل الإيرادات، بما يؤثر سلباً في الانضباط المالي.
يعكس قدرة الدولة على إدارة التزاماتها المالية دون الإضرار بالاستقرار الاقتصادي ، ويُقاس عادةً بنسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث يشير ارتفاع هذه النسبة إلى ضعف الانضباط المالي وتزايد مخاطر عدم الاستدامة ، ويسهم الحفاظ على مستويات دين معتدلة في تعزيز الثقة بالسياسة المالية وتقليل تكاليف الاقتراض، كما يساعد المؤشر في تقييم مدى التزام الحكومات بقواعد المالية العامة والحد من التوسع غير المبرر في العجز المالي ، ويعد ارتفاع نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الاجمالي او زيادة معدل نمو الدين العام مع زيادة عجز الموازنة مقياس لعدم تحقق الانضباط المالي، وفي بعض الدول ومنها الاتحاد الاوربي من اجل تحقيق الانضباط المالي اشترطت عدم تجاوز نسبة الدين العام عن 60% من الناتج.
المبحث الثاني : تحليل واقع الانضباط المالي في العراق للمدة 2014 - 2024
ان سياسات الانضباط المالي في الدول النفطية ومنها الاقتصاد العراقي مقيدة بين الواقع المرير المتمثلة بعدم تنوع مصادر التمويل والطموح العالي الهادف الى ضبط النفقات العامة والايرادات العامة ، فعندما تواجه اقتصاداتها صدمة نفطية بسبب تدهور اسعار النفط في الاسواق العالمية كما حدث في عام 2014 وما بعدها نتيجة إعتماد كثير من موازنات تلك الدول بشكل كبيرعلى الايرادات النفطية في تمويل النفقات العامة، إذ يرتبط حجم ومدة الضبط المالي في هذه الدول بحجم واستمرارية الصدمة النفطية وعادةً ما يتم اللجوء الى تخفيض أو ترشيد الانفاق الحكومي عند انخفاض الايرادات النفطية من جهة وتخلف النظم الضريبية من جهة اخرى وهذا ما تم العمل به في العراق كسياسات للانضباط المالي.
اولاً:- تحليل مؤشر عجز الموازنة في العراق
يوضح الجدول (1) التالي مؤشر عجز الموازنة لقياس الانضباط المالي في العراق ، وقد سجل تحقق عجز في الموازنة العامة بقيمة (٨٠٨٦٨٨) مليون دينار في عام (2014) ، وهو مايشكل نسبة (٣،٠٣ %) من حجم الناتج المحلي الإجمالي ، وكلما ارتفعت هذه النسبة تنذر بالخطر حسب المقاييس العالمية ، واستمر العجز الى عام (2016) ، وسبب ذلك العجز هو سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على عدة مدن عراقية ، وعلى الآبار النفطية الموجودة فيها ، مما سبب تراجع كبير في الإيرادات العامة ، وبالمقابل أرتفاع حجم الإنفاق العام بشكل كبير لتمويل نفقات الحرب وإعادة إعمار المدن المحرره، ثم حققت الموازنة فائضاً للعامين (2017، 2018) على التوالي نتيجة تحرير المدن من التنظيم وإنتهاء العمليات العسكرية، واستعادة الآبار النفطية والموارد الأخرى التي كان يسيطر عليها التنظيم ،وهو ما انعكس على زيادة حجم الإيرادات العامة.
الجدول(1) مؤشر عجز الموازنة العامة في العراق للمدة(2014-2024) (مليون دينار)
المصدر: العمود (1)،(2) ،(4) البنك المركزي العراقي، دائرة الإحصاء والأبحاث،النشرات الإحصائية السنوية، للسنوت(2014-2024) ، العمود (3) ، (5) من عمل الباحث.
وفي عامي (2019، 2020) ، على التوالي حققت الموازنة عجزاً إذ بلغ حجم العجز (١٢٨٨٢٧٥٤) مليون دينار في عام (2020) وهو ما يشكل نسبة (5.9 %) من حجم الناتج المحلي الاجمالي، نتيجة تفشي فايروس كورونا عالمياً، والذي سبب تراجع كبير في النشاط الاقتصادي ، وزيادة كبيرة في حجم الانفاق الحكومي لمواجهة ذلك الوباء، تلاها تحقق فائض في الموازنة للعامين (٢٠٢٢،2021) ، نتيجة تعايش العالم مع الوباء ، و زوال الحضر الذي تسبب به ، مما انعكس على استئناف الدول لمزاولة نشاطاتها الاقتصادية ، ومن ثم ارتفاع اسعار النفط عالمياً ، بالتالي إرتفاع حجم الايرادات العامة من (٦٣١٩٩٦٨٩) مليون دينار في عام (٢٠٢٠) ، إلى (١٠٩٠٨١٤٦٤) مليون دينار في عام (٢٠٢١) ومن ثم الى اعلى ايرادات خلال فترة الدراسة اذ بلغت (١٦١٥٣٣٤٤١) مليون دينار في عام (٢٠٢٢) .
وتراجعت الايرادات العامة وارتفعت النفقات العام في العامين (٢٠٢٣، ٢٠٢٤) مما حقق عجزا ماليا بلغت نسبته من الناتج المحلي الإجمالي (١،٩١ و ٢،٦٨ ) على التوالي ،وهذا العجز نتتج عن تفاعل عوامل داخلية وخارجية، أهمها:
واهذه العوامل مجتمعة أدت إلى فجوة كبيرة بين الإيرادات والمصروفات الحكومية، مما نتج عنه عجز موازنة مستمر في تلك السنوات ، لذا فان عجز الموازنة العامة في العراق رهين للأزمات وخاصةً التي تسبب انخفاض في الإيرادات النفطية ، كون الاقتصاد العراقي وحيد الجانب ، وتشكل الايرادات النفطية أكثر من (96%) من حجم الإيرادات العامة ، بالتالي اي ازمة تسبب انخفاض تلك الإيرادات تنعكس على تحقق عجز في الموازنة العامة، وبنسب تصل الى مرحلة الخطر أو تتخطاها، وهذا يدل على عدم وجود ضبط مالي في العراق يعمل على زيادة كفاءة الانفاق العام، والحد من هدر الموارد المالية الاخرى وخاصة الضريبية منها، واستغلالها بالشكل الأمثل، لتقليل الاعتماد على النفط في تمويل الموازنة العامة ، وتخفيف اثر الازمات المالية، ويوضح الشكل (1) مؤشر عجز الموازنة في العراق للمدة (2004-2022).
ثانياً- تحليل مؤشر الدين العام في العراق
في عام (2014) بلغ حجم الدين العام إلى (٧٦٣٨٦٦٢١) مليون دينار وشكل ما نسبته (٢٨،٦%) من الناتج المحليالإجمالي واخذت النسبة بالارتفاع حتى وصلت اقصاها عام ٢٠١٦ اذ بلغت (٦٠،٠٧%) بسبب ارتفاع المديونية مع انخفاض الناتج المحلي الاجمالي ليشير الى خطر الانهيار المالي ، ثم اخذ يرتفع الدين العام حتى وصل الى (١٢٢٣٣٢٨٤٤) مليون دينار في عام (٢٠١٨) وبقيت نسبته مرتفعة اذ بلغت (٤٥.٤ %) من حجم الناتج، نتيجة سيطرة تنظيم داعش الارهابي على عدد من المحافظات بما فيها مواردها النفطية، مما سبب انخفاض في حجم الايرادات العامة بشكل كبير، بالإضافة الى ارتفاع حجم الانفاق العام لتمويل نفقات الحرب، مما دفع الحكومة للاقتراض الداخلي والخارجي لتعويض النقص في الايرادات ومواجهة ارتفاع النفقات ، ويوضح الجدول (2) مؤشر الدين العام لقياس الانضباط المالي في العراق، للمدة (2014-2024) .
الجدول (2) مؤشر الدين العام في العراق للمدة(2014-2024) (مليون دينار)
المصدر: العمود (1) ،(2)، (3) وزارة المالية- دائرة الدين العام ، العمود (5) البنك المركزي العراقي- دائرة الإحصاء والأبحاث- النشرات الإحصائية السنوية ، العمود (4) ، (6) ، من عمل الباحث.
بعد عام (2016) اخذت نسبة الدين العام للناتج تنخفض تدريجياً الى ان وصلت الى (٢٤،٨٦%) في عام (2019) ، نتيجة تحرير المحافظات التي سيطر عليها التنظيم الارهابي وانخفاض النفقات العسكرية، ومن ثم إستئناف تصدير النفط منها مما انعكس على زيادة الايرادات العامة وتخفيض الحاجة للاقتراض .
اما في عام (2020) إرتفع حجم الدين العام مجدداً ، إذ بلغ (٩٩٠٦٩٥٥٩) مليون دينار ، وهو ما يشكل نسبة (٤٥،٩%) من حجم الناتج المحلي الاجمالي، نتيجة تفشي فايروس كورونا عالمياً مما سبب تراجع كبير في الايرادات وإرتفاع النفقات ، بالتالي انخفاض النمو الاقتصادي لمعظم دول العالم ومنها العراق الذي انعكس على زيادة حجم الدين العام ، وإنخفاض حجم الناتج المحلي الإجمالي .
بعد ذلك انخفضت نسبة الدين العام الى الناتج حتى وصلت (٢٧،٩) عام (٢٠٢٤) إلى وكان الانخفاض للسنوات من ٢٠٢١ الى ٢٠٢٣ نتيجة عدة امور منها تعايش العالم مع الوباء ، وسعي العراق لتخفيض دينه العام وخاصة الدين العام الخارجي، بالإضافة إلى انتهاء العراق من ملف تعويضات حرب الكويت البالغة (52.4) مليار دولار، ومن خلال.
ان مؤشر الدين العام للناتج في العراق يشير الى تدني مستوى الانضباط المالي ، إذ إن نسبة الدين العام للناتج تخطت الحدود الطبيعية والنسب المعيارية العالمية، والتي يجب ان لا تتجاوز نسبة الدين (٤0 %) من حجم الناتج المحلي الاجمالي في الدول النامية لكي يحكم على ان السياسة المالية منضبطة وان لا تتجاوز نسبة الدين (٦٠%) من حجم الناتج في الدول المتقدمة ، وان الدين الخارجي يشكل النسبة الاكبر من حجم الدين العام ، وهو ما يتطلب تسديد جزء من الناتج المحلي الاجمالي العراقي للخارج بالعملة الصعبة، كما نلاحظ ان حجم الدين العام يتأثر بشكل كبير في حدوث الازمات الخارجية والداخلية ، نتيجة عدم وجود سياسة مالية منضبطة تعمل على ترشيد الانفاق العام وزيادة انتاجيته وتخفيض الاسراف والتبذير ، ويمكن حصر اسباب ارتفاع نسبة الدين للناتج بما يلي :-
وهذا الارتفاع في الدين أثر على الانضباط المالي عبر زيادة الضغوط على الإنفاق الحكومي، وتقييد مرونة السياسات الاقتصادية وصعوبة تنفيذ إصلاحات مالية حقيقية دون تزايد الدين أكثر ،ويوضح الشكل (2) مؤشر الدين العام في العراق للمدة (2004-2022) .
ثالثاً:- تحليل مؤشر نسبة الإنفاق العام للناتج في العراق
يُعد مؤشر نسبة الإنفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من أهم مؤشرات قياس الانضباط المالي، لكونه يعكس حجم تدخل الدولة في الاقتصاد، ومدى اتساق السياسة الإنفاقية مع القدرة الحقيقية للاقتصاد على توليد الدخل. وتشير الأدبيات المالية الدولية إلى أن المستوى الآمن أو الجيد عالميًا لهذا المؤشر يقل عن 30%، خاصة في الاقتصادات النامية، لما يوفره من توازن بين دور الدولة وكفاءة تخصيص الموارد.
وبتحليل هذا المؤشر في العراق خلال المدة (2014–2024)، يتضح أن نسبة الإنفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي تجاوزت هذا الحد الآمن في معظم سنوات الدراسة، وبلغت مستويات مرتفعة بشكل خاص في سنوات الأزمات والوفرة الريعية على حد سواء، مما يعكس ضعف الانضباط المالي الهيكلي.
ففي عام 2014، بلغت نسبة الإنفاق إلى الناتج ٤٢.٦٠% ، وهي نسبة مرتفعة للغاية تعكس توسعًا ماليًا غير منضبط، جاء في ظل انخفاض الإيرادات العامة نتيجة تمويل الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، الأمر الذي أدى إلى اللجوء المكثف إلى الاقتراض ، ويشير هذا الارتفاع إلى غياب مواءمة الإنفاق مع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، وإلى اعتماد السياسة المالية على أدوات تمويل استثنائية بدل الضبط المالي.
يوضح الجدول (3) ان حجم الانفاق العام بلغ (١١٣٤٧٣٥١) مليون دينار في عام (2014) وهو ما يشكل (4٢،٦%) من حجم الناتج اكثر مما كان عليه في السنوات السابقة والتي لم نذكرها في بحثنا هذا ، رغم انخفاض حجم الإيرادات العامة (83725) في عام (2014) وذلك نتيجة تمويل نفقات الحرب ضد داعش الارهابي، الذي دعا الحكومة اللجوء للاقتراض لتمويل الزيادة في الانفاق وتعويض نقص الإيرادات ، مما انعكس على ارتفاع حجم الدين العام إلى (٧٦٣٨٦٦٢١) مليون دينار في عام (2014) .
بعد ذلك اخذت نسبة الانفاق العام للناتج تتراجع إلى ان وصلت الى (٣٠،٠٧ %) في عام (2018) ، نتيجة انخفاض النفقات العسكرية ، واستعادة الحكومة العراقية السيطرة على الموارد المالية في المدن المحررة ، بالتالي ارتفاع حجم الناتج المحلي الاجمالي الى (٢٦٨٩١٨٨٧٤) مليون دينار في نفس العام ، ثم ارتفعت نسبة الانفاق للناتج الى (٤٠،٤٦ %) في عام (2019) ، بالتزامن مع تحسن الإيرادات النفطية، وهو ما يعكس نمطًا ماليًا توسعيًا في فترات الوفرة، ويؤكد ضعف الانضباط المالي الدوري، اذ لا يتم استغلال فترات الرواج لتقليص الإنفاق أو بناء هوامش أمان مالية.
الجدول (3) مؤشر الإنفاق العام في العراق للمدة (2014-2024) (مليون دينار)
المصدر:العمود (1)، (3) ،(4) البنك المركزي العراقي- دائرة الإحصاء والأبحاث -النشرات الإحصائية السنوية ، العمود (2) و(5) من عمل الباحث .
وبدأ انخفاض في عام (2020) نتيجة تفشي فايروس كورونا ، الذي سبب تراجع كبير في النشاط الاقتصادي ، وإنخفاض اسعار النفط من (60) دولار إلى (20) دولار للبرميل الواحد، بالتالي انخفاض الايرادات العامة وارتفاع حجم الدين العام ومن ثم تراجع في الانفاق العام نتيجة إنخفاض السيولة المالية .
بعد ذلك ارتفع حجم الانفاق العام الى (١٠٢٨٤٩٦٥٩) مليون دينار في (2021) ، وهو ما يشكل نسبة (33.9 %) من حجم الناتج ، واستمر الانفاق العام بالارتفاع حتى بلغ (١٥٠٥٢٧٣٤٦) مليون دينار في عام (٢٠٢٤) ، وهو ما يشكل نسبة (٤١.٤ %) من حجم الناتج ،ويشير هذا الارتفاع إلى أن توسع الإنفاق الحكومي فاق نمو الناتج، وأن السياسة المالية اتسمت بطابع توسعي غير مقيد، بدلاً من توظيف الوفرة المالية في تقليص حجم الدولة أو تعزيز الاستدامة المالية .
ان تجاوز نسبة الإنفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في العراق الحد العالمي الآمن (30%) وبفارق واسع في عامي يعكس مايلي :
ويؤكد هذا المؤشر أن السياسة المالية في العراق لا تتسم بالتحوط أو الرشادة، بل تميل إلى التوسع في الإنفاق بغض النظر عن كفاءة هذا الإنفاق أو آثاره طويلة الأجل، الأمر الذي يزيد من هشاشة الاستدامة المالية، ويعمّق الاعتماد على الإيرادات الريعية، ويحد من قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات المستقبلية ، وما يلاحظ هو ضعف الإنتاجية يعني أن الإنفاق الحكومي لا يحقق النتائج المرجوة بالكفاءة المطلوبة، مثل: الإنفاق الكبير على التعليم والصحة دون تحسن ملموس في مخرجاتهما، أو الإنفاق الكبير على البنية التحتية دون استدامة المشاريع.
كما ان الإنفاق الحكومي غير المنتج يُدمّر القيمة الاقتصادية بدلاً من خلقها ، غالبًا ما يرتبط ذلك بالفساد المستشري، والهدر الكبير، أو الإنفاق على مشاريع غير فعالة أو ضارة ، وهذا يعني تسرب وهدر الموارد المالية (معظمها نفطية) دون تحقيق أهداف السياسة المالية أو التنمية الحقيقية وتلقى الأجيال الحالية خدمات ضعيفة، بينما ترث الأجيال المستقبلية اقتصاداً ضعيفاً وموارد مستنزفة .
المصدر :الشكل من عمل الباحث بالاعتماد على بيانات الجدول (3)
رابعاً:- تحليل مؤشر الإيرادت الضريبية في العراق
يوضح هذا المؤشر مدى قدرة الدولة على ضبط ايراداتها العامة، وتحصيل اكبر قدر منها، وخاصةً الضريبية ، ورفع نسبة مساهمتها في تكوين حجم الإيرادات العامة، ومن ثم نسبة مساهمتها في تكوين حجم الناتج المحلي الاجمالي، يُظهر تطور مؤشر مساهمة الإيرادات الضريبية في الإيرادات العامة في العراق خلال المدة (2014–2024) سلوكًا ماليًا يعكس اختلالًا واضحًا في الانضباط المالي وهيكل الإيرادات العامة، وكما موضح في الجدول رقم (4) ، فقد بلغ حجم الايرادات العامة في العراق (١٠٥٣٨٦٦٢٣) مليون دينار، في عام (٢٠١٤) ، وكانت نسبة مساهمة الضرائب فيها (١،٧٩ %) ، كما كانت نسبة الايرادات الضريبية تمثل (٠،٧ %) من حجم الناتج المحلي الاجمالي لنفس العام المذكور.
الجدول(4) مؤشر الايرادات العامة في العراق للمدة (2014-2024) (مليون دينار)
المصدر:- العمود (1) (2) ، (4) البنك المركزي العراقي- دائرة الإحصاء والأبحاث-النشرات الإحصائية السنوية ، العمود (3) و (5) من عمل الباحث .
وارتفعت نسبة مساهمة الإيرادات الضريبية إلى 7.0% في عام 2016 ثم إلى 8.1% في عام 2017، على الرغم من تراجع حجم الإيرادات العامة الكلية خلال تلك الفترة، نتيجة الظروف الاستثنائية التي مر بها الاقتصاد العراقي بسبب الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي (2014–2017). ويُعزى هذا الارتفاع النسبي في مساهمة الضرائب إلى انكماش الإيرادات النفطية أكثر من كونه ناتجًا عن تحسن فعلي في كفاءة النظام الضريبي أو توسع القاعدة الضريبية.
ومع تحسن الأوضاع الأمنية وارتفاع أسعار النفط لاحقًا، شهدت الإيرادات العامة اتجاهًا تصاعديًا ملحوظًا، إلا أن ذلك ترافق مع انخفاض واضح في حجم الإيرادات الضريبية ونسبة مساهمتها في الإيرادات العامة، الأمر الذي يعكس ضعف التزام السياسة المالية بتعظيم الموارد غير النفطية في فترات التعافي الاقتصادي ، ويشير هذا السلوك إلى أن الحكومة لا تعتمد الضرائب كمورد مالي مستدام، وإنما كأداة ثانوية يتم اللجوء إليها فقط عند تراجع الموارد الريعية.
وتتجلى هذه العلاقة بصورة أكثر وضوحًا في عام 2020، إذ ارتفعت نسبة مساهمة الإيرادات الضريبية إلى 7.5% في الوقت الذي انخفضت فيه الإيرادات العامة إلى (63,199,689) مليون دينار، نتيجة تفشي جائحة كورونا وما رافقها من انهيار الطلب العالمي على النفط وتراجع أسعاره. ويؤكد هذا الارتفاع النسبي مجددًا أن تحسن المؤشر لا يرتبط بإصلاحات ضريبية حقيقية، بل بانخفاض المقام (الإيرادات العامة النفطية).
ومع الانحسار التدريجي لأزمة كورونا وعودة أسعار النفط إلى الارتفاع، ارتفعت الإيرادات العامة في العراق لتبلغ (161,533,441) مليون دينار في عام 2022، في مقابل انخفاض الإيرادات الضريبية إلى (3,911,397) مليون دينار، وهو ما يشكل 2.4% من الإيرادات العامة ونحو 1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. ويعكس هذا التراجع الحاد ضعف قدرة النظام الضريبي على الاستجابة للنمو الاقتصادي، وغياب الربط بين توسع النشاط الاقتصادي وتعظيم الموارد الضريبية.
وعليه، تكشف نتائج هذا المؤشر عن علاقة عكسية غير منسجمة اقتصاديًا بين الإيرادات الضريبية والإيرادات العامة، حيث تنخفض الإيرادات الضريبية عندما ترتفع الإيرادات العامة، وترتفع نسبيًا عندما تنخفض الإيرادات العامة، ولا سيما في فترات الأزمات المرتبطة بانخفاض أسعار النفط. ويُعد هذا النمط دليلاً واضحًا على غياب الانضباط المالي في العراق، إذ تتسم السياسة المالية بسلوك توسعي غير رشيد في فترات الوفرة الريعية، يقابله اهتمام اضطراري ومؤقت بالإيرادات الضريبية عند حدوث الصدمات.
ويُعزز هذا السلوك من مظاهر المرض الهولندي في الاقتصاد العراقي، حيث يؤدي الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية إلى إضعاف القطاعات غير النفطية، وتهميش النظام الضريبي، وارتفاع مستويات التهرب الضريبي والهدر المالي. وبذلك، فإن انخفاض نسبة مساهمة الضرائب في كل من الإيرادات العامة والناتج المحلي الإجمالي يعكس ضعف الضبط المالي الهيكلي، ويؤكد هشاشة الاستدامة المالية واعتمادها على مورد ريعي متقلب ، ويوضح الشكل (3) مؤشر الايرادات الضريبية نسبة للناتج في العراق للمدة (٢٠١٤-٢٠٢٤).
الاستنتاجات والتوصيات
اولاَ : الاستنتاجات
ثانياً : التوصيات
A. S. Hussein, “تحليل العلاقة بين الايرادات النفطية والاستدامة المالية في الاقتصاد العراقي,” مجلة العلوم الاقتصادية والادارية, vol. 22, no. 94, p. 431, 2016.
A. H. Battal et al., “تحليل العلاقة بين مؤشرات الانضباط المالي والاستقرار المصرفي للاقتصاد العراقي للمدة (2004–2021),” مجلة العلوم المالية والمحاسبية, Special Issue (Banking Sector Conference), p. 115, 2022.
World Bank, العراق – الآفاق الاقتصادية. Iraq: World Bank, 2020.
I. M. Rashid, “اثر صدمات اسعار النفط على بعض المتغيرات الاقتصادية في العراق,” مجلة اقتصاديات الاعمال, vol. 4, no. 4, pp. 28–30, 2023.
S. A. A. Al-Hajimi, “الضبط المالي وانعكاسه على التنمية المستدامة في العراق,” المجلة العراقية للعلوم الاقتصادية, p. 29, 2019.
S. H. Mahmoud, “سياسات التقشف المالي وانعكاساتها على معدلات التضخم في مصر,” مجلة الاقتصاد والعلوم السياسية, p. 58, 2022.
I. Hassan, “تحليل العلاقة بين الانفاق العام والاستدامة المالية لدول مختارة مع اشارة خاصة للعراق,” Ph.D. dissertation, College of Administration and Economics, University of Baghdad, Baghdad, Iraq, 2016, p. 32.
I. M. Ali and H. M. Faraj, “دور الانضباط المالي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي في العراق,” المجلة العراقية للعلوم الاقتصادية, no. 59, pp. 37–38, 2018.
I. M. Ali and M. S. Ahmed, “القواعد المالية بين متطلبات الضبط المالي والواقع المالي في العراق,” مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية, vol. 14, no. 62, pp. 108–109, 2018.
M. K. Ubaid and T. A. Ubaid, “تأثير مؤشرات الانضباط المالي في النمو الاقتصادي: دراسة تحليلية باستخدام نموذج (ARDL) للمدة (2004–2020),” مجلة كلية المعارف, vol. 33, no. 4, p. 301, 2022.
H. J. Salim, “الضبط المالي واللامركزية المالية: مراجعة الادبيات,” المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية, pp. 1103–1104, 2023.
A. Al-Husayny, “Assess the Reality of Fiscal Sustainability Between the Requirements of Financial Discipline and the Financial Imbalance in Iraq: Analytical Study for the Period (2010–2020),” Mustansiriyah University, 2023. [Online]. Available: https://ssrn.com/abstract=449
S. Gaber et al., “The Role of Fiscal Rules in Ensuring Fiscal Discipline,” International Journal of Sciences: Basic and Applied Research, vol. 19, no. 1, pp. 18–19, 2015. [Online]. Available: https://www.gssrr.org/JournalOfBasicAndApplied/article/view/3165
V. Ngai, Stability and Growth Pact and Fiscal Discipline in the Eurozone. Philadelphia, PA, USA: The Economic and Monetary Union, University of Pennsylvania, 2012. [Online]. Available: http://fic.wharton.upenn.edu/fic/papers/12/12-10.pdf
OECD, “The Long Game: Fiscal Outlooks to 2060 Underline Need for Structural Reform,” OECD Economic Policy Papers, no. 29, pp. 3–5, 2021. [Online]. Available: https://doi.org/10.1787/a112307e-en
P. S. Heller, Understanding Fiscal Space. Washington, DC, USA: International Monetary Fund, 2005, pp. 3–6. doi: 10.5089/9781451975635.003.
G. J. Schinasi, Safeguarding Financial Stability: Theory and Practice. Washington, DC, USA: International Monetary Fund, 2006. doi: 10.5089/9781589064409.071.
T. C., “Expenditure Rules: Effective Tools for Sound Fiscal Policy,” IMF Working Paper, no. 13, 2015. doi: 10.5089/9781498390576.001.